ابن سعيد علي بن موسى الأندلسي
77
المقتطف من أزاهر الطرف
إن الحرب صعبة مرة ، وان السلم أمن ومسرة ، وقد زبنتنا الحرب وزبنّاها « 1 » ، فعرفناها وألفناها ، فهي أمّنا ونحن بنوها ، فاستقيموا على سبل الهدى ، ودعوا الأهواء المرذولة ، وتجنبوا فراق الجماعة ولا تكلفونا أعمال المهاجرين الأولين وأنتم لا تعملون أعمالهم ، ولا أظنكم تزدادون بعد الموعظة إلا شرّا ، ولن تزداد بعد الاعذار إليكم والحجة عليكم إلا عقوبة . فمن شاء منكم أن يعود لمثلها فليعد . عبد اللّه بن الزبير : قال وهو يحارب الحجاج « 2 » : أما بعد ، يا آل الزبير فلا يبرمكم وقع السيوف ، فإني لم أحضر موطنا قط . إلا جرحت فيه ، وما أجد من ألم جراحها أشد مما أجد من ألم وقعها . صونوا سيوفكم كما تصونوا وجوهكم ولا أعلم أحدا كسر سيفه واستبقى نفسه ، فإن الرجل إذا ذهب سلاحه فهو كالمرأة ، غضوا أبصاركم عن البارقة ، وليشتغل كل منكم بقرنه ، ولا يلهينّكم السؤال عنى ، ولا تقولوا أين عبد اللّه بن الزبير . ألا من كان سائلا عنى فإني في الرعيل الأول . عبد الملك بن صالح العباسي « 3 » : قال لمعلم ولده وقد أنهضه لمجالسته : كن على الماس الخط بالسكوت أحرص منك على التماسه بالكلام ، فقد قيل إذا أعجبك الكلام فاصمت ، وإذا أعجبك الصمت فتكلّم . ولا تساعدنى على قبيح ، ولا تردنّ علىّ في محفل ، وكلمني بقدر ما استنطقتك . واعلم أن حسن الاستماع أحسن من حسن القول ، فأرني جهمك في نظرك ، واعلم أنى جعلتك جليسا مقرّبا بعد أن كنت معلما مبعدا ، ومن لم يعرف نقصان ما خرج منه لم يعرف رجحان ما دخل فيه .
--> ( 1 ) زينتنا الحرب وزبناها : دفعناها ، والزبن : الدفع ومنه اشتقاق الزبانية لأنهم يدفعون أهل النار إلى النار . ( 2 ) انظر الخطبة في تاريخ الطبري 6 / 191 - 192 ( ط دار المعارف ) وقارن اختلاف الرواية . ( 3 ) سبقت الترجمة له .